الغزالي

26

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

الشهوة تصيّر الملوك عبيدا ، والصبر يصيّر العبيد ملوكا ، ألا ترى إلى قصة يوسف عليه السّلام وزليخا ؟ فقد صار يوسف سلطان مصر بصبره ، وصارت زليخا ذليلة حقيرة فقيرة عجوزا عمياء لأجل شهوتها ، فإن زليخا لم تصبر عن محبة يوسف . حكى أبو الحسن الرازي أنه رأى والده في منامه بعد موته بسنتين وعليه ثياب من القطران فقال له : يا أبي مالي أرى عليك هيئة أهل النار ؟ فقال : يا ولدي جذبتني نفسي إلى النار ، فاحذر يا ولدي من خديعة نفسك : إني ابتليت بأربع ما سلّطوا * إلا لشدة شقوتي وعنائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى * كيف الخلاص وكلّهم أعدائي وأرى الهوى تدعو إليه خواطري * في ظلمة الشهوات والآراء قال حاتم الأصم رحمه اللّه : نفسي رباطي ، وعلمي سلاحي ، وذنبي خيبتي ، والشيطان عدوّي ، وأنا بنفسي غادر . حكي عن بعض أهل المعرفة أنه قال : الجهاد على ثلاثة أصناف : جهاد مع الكفار ، وهو جهاد الظاهر كالذي في قوله تعالى : يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ « 1 » . وجهاد مع أصحاب الباطل بالعلم والحجة كقوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 2 » . وجهاد مع النفس الأمارة بالسوء كالذي في قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 3 » . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفضل الجهاد جهاد النفس » . وإن الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين كانوا إذا رجعوا من جهاد الكفار يقولون : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر . وإنما سمّوا الجهاد مع الهوى والنفس والشيطان أكبر لأنّ الجهاد معها أدوم ، وجهاد الكفار يكون في وقت دون وقت .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 54 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 125 . ( 3 ) سورة العنكبوت ، الآية : 69 .